عبد الملك الجويني

70

الشامل في أصول الدين

والثاني : استحالة قيام العرض بالعرض . والثالث : إثبات استحالة قيام العرض بنفسه . وسنذكر نكتا في هذه الأصول ، ثم نبين أنها لا تستقيم على أصول مذاهب المعتزلة ، ما بقوا على معتقداتهم الفاسدة . فصل ما ثبت له القدم استحال عليه العدم اعلموا عصمكم اللّه أن أرباب الألباب اتفقوا على أن ما ثبت له القدم استحال عليه العدم . وليس في العقلاء من يجوّز عدم القديم ، ولكن لا يسوغ الاستدلال في العقليات بالاتفاق . ولو قال قائل : فما الدليل على استحالة عدم القديم ؟ قلنا : قد تمسك بعض المتكلمين بطريقة فقال : لو عدم القديم لوجب تجويز إعادته ؛ إذ ما تحقق وجوده ، وساغ عدمه ، ساغت إعادته ، على ما سنوضح ذلك في باب الإعادة إن شاء اللّه . وإذا تجوّز عوده ، فيكون حادثا ، وهو بعينه عين القديم الذي لم يكن حادثا ، فيلزم منه اجتماع صفتين متناقضتين ، الحدوث والقدم ؛ وإثبات الأولية ونفيها . وربما أورد ذلك في معرض آخر وقيل : إذا أعيد تعلقت القدرة به ، وهو عين القديم الذي يستحيل تعلق القدرة به ، وذلك متناف . وهذا فيه نظر عندي ، فإن لقائل أن يقول : الحادث الذي دام دهورا ، واتصف باستمرار الوجود ، إذا عدم ثم أعيد ، فهو مفتتح الكون ، وهو بعينه غير ما استمر وجوده ، فينبغي أن يكون حادثا باقيا . وكذلك فلا معول على تعلق القدرة ، فإن الباقي المستمر وجوده يستحيل أن يكون مقدورا ، كما يستحيل ذلك في القديم . ثم لم يمتنع إعادة الباقي بعد عدمه ، وإن كان المعاد عين الباقي . والذي عليه المعول في إثبات استحالة عدم القديم أن نقول : الموجود الذي لا أول لوجوده ، لو قدّر عدمه لم يخل : إما أن يقدر عدمه واجبا في بعض الأوقات ، أو يقدّر عدمه جائزا مع تجويز استمرار الوجود . فإن قدر العدم واجبا ، كان ذلك محالا ضرورة . فإن محصول القول بوجوب العدم يرجع إلى استحالة استمرار الوجود . وكأن هذا القائل يقول : الموجود الذي لا أول لوجوده يستحيل أن يبقى في هذا الوقت المعين ، ولا يجوز تقدير وجوده فيه مع ثبوت الوجود له أبدا ، ومع تماثل الأوقات وعدم تأثيرها في الجائزات والمستحيلات ، وهذا معلوم بطلانه ضرورة .